الشيخ حسن أيوب
39
الحديث في علوم القرآن والحديث
الجواب : أننا نلمح هنا سرّا جديدا من أسرار الإعجاز ، ونشهد سمة فذة من سمات الربوبية ، ونقرأ دليلا ساطعا على مصدر القرآن ، وأنه كلام اللّه الواحد الديان أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ سورة النساء آية 82 ] . وإلا فحدثني - بربك - كيف تستطيع أنت ؟ أم كيف يستطيع الخلق جميعا أن يأتوا بكتاب محكم الاتصال والترابط ، متين النسج والسرد ، متآلف البدايات والنهايات مع خضوعه في التأليف لعوامل خارجة عن مقدور البشر ، وهي وقائع الزمن وأحداثه التي يجيء كل جزء من أجزاء هذا الكتاب تبعا لها ، ومتحدثا عنها ؟ ! . لا ريب أن هذا الانفصال الزماني وذاك الاختلاف الملحوظ بين هاتيك الدواعي ، يستلزمان في مجرى العادة التفكك والانحلال ، ولا يدعان مجالا للارتباط والاتصال بين نجوم هذا الكلام . أما القرآن الكريم فقد خرق العادة في هذه الناحية أيضا : نزل مفرقا منجما ، ولكنه ثمّ مترابطا محكما وتفرقت نجومه تفرّق الأسباب ، ولكن اجتمع نظمه اجتماع شمل الأحباب ، ولم يتكامل نزوله إلا بعد عشرين عاما ، ولكن تكامل انسجامه بداية وختاما ! ! أليس ذلك برهانا ساطعا على أنه كلام خالق القوى والقدر ، ومالك الأسباب والمسببات ، ومدبر الخلق والكائنات ، وقيوم الأرض والسماوات ، ومالك الأسباب والمسببات ، ومدبر الخلق والكائنات ، وقيوم الأرض والسماوات ، العليم بما كان وما سيكون ، الخبير بالزمان وما يحدث فيه من شؤون ؟ ؟ لاحظ فوق ما أسلفنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان إذا نزلت عليه آية أو آيات قال : « ضعوها في مكان كذا من سورة كذا » وهو بشر لا يدري ( طبعا ) ما ستجيء به الأيام ، ولا يعلم ما سيكون في مستقبل الزمان ، ولا يدرك ما سيحدث من الدواعي والأحداث فضلا عما سينزل من اللّه فيها ، وهكذا يمضي العمر الطويل والرسول على هذا العهد ، يأتيه الوحي بالقرآن نجما بعد نجم ، وإذا القرآن كله بعد هذا العمر الطويل يكمل ويتم ، وينتظم ويتآخى ، ويأتلف ويلتئم ، ولا يؤخذ عليه أدنى تخاذل أو تفاوت ، بل يعجز الخلق طرّا بما فيه من انسجام ووحدة وترابط : كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [ سورة هود : آية 1 ] . وإنه ليستبين لك سر هذا الإعجاز ، إذا ما علمت أن محاولة مثل هذا الاتساق والانسجام لن يمكن أن يأتي على هذا النمط الذي نزل به القرآن ولا على قريب من هذا النمط ، لا في كلام الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا في كلام غيره من البلغاء .